محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )

106

سبل السلام

والمجيب هو النبي ( ص ) ، ويحتمل أن يكون السائل غير عبد الله لعبد الله وعبد الله المجيب والأول أظهر ( وما اليمين الغموس ؟ قال : التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب أخرجه البخاري ) . اعلم أن اليمين إما أن تكون بعقد قلب وقصد أو لا بل تجري على اللسان بغير عقد قلب وإنما تقع بحسب ما تعوده المتكلم ، سواء كانت بإثبات أو نفي نحو والله ، وبلى والله ، ولا والله ، فهذه هي اللغو الذي قال الله تعالى فيه * ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) * كما يأتي دليله . وإن كانت عن عقد قلب فينظر إلى حال المحلوف عليه ، فينقسم بحسبه إلى أقسام خمسة : إما أن يكون معلوم الصدق أو معلوم الكذب أو مظنون الصدق أو مظنون الكذب أو مشكوكا فيه . فالأول : يمين برة صادقة وهي التي وقعت في كلام الله تعالى نحو * ( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) * ووقعت في كلام رسول الله ( ص ) . قال ابن القيم : إنه ( ص ) حلف في أكثر من ثمانين موضعا ، وهذه هي المرادة في حديث : إن الله تعالى يحب أن يحلف به ، وذلك لما يتضمن من تعظيم الله تعالى . والثاني وهو معلوم الكذب اليمين الغموس ويقال لها : الزور والفاجرة ، وسميت في الأحاديث : يمين صبر ويمينا مصبورة ، قال في النهاية سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار ، فعلى هذا هي فعول بمعنى فاعل ، وقد فسرها في الحديث بالتي يقتطع به مال المرء المسلم ، فظاهره أنها لا تكون غموسا إلا إذا اقتطع بها مال امرئ مسلم لا أن كل محلوف كذبا يكون غموسا ولكنها تسمى فاجرة . الثالث ما ظن صدقه وهو قسمان : الأول ما انكشف فيه الإصابة فهدا ألحقه البعض بما علم صدقه ، إذ بالانكشاف صار مثله . والثاني ما ظن صدقه وانكشف خلافه وقد قيل : لا يجوز الحلف في هذين القسمين لان وضع الحلف لقطع الاحتمال فكأن الحالف يقول : أنا أعلم مضمون الخبر وهذا كذب فإنه إنما حلف على ظنه . الرابع : ما ظن كذبه والحلف عليه محرم . الخامس : ما شك في صدقه وكذبه وهو أيضا محرم . فتلخص أنه يحرم ما عدا المعلوم صدقه . وقوله : ما الكبائر فيه دليل على أنه قد كان معلوما عند السائل أن في المعاصي كبائر وغيرها . وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب إمام الحرمين وجماعة من أئمة العلم إلى أن المعاصي كلها كبائر . وذهب الجماهير إلى أنها تنقسم إلى كبائر وصغائر واستدلوا بقوله تعالى : * ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) * وبقوله : * ( والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم ) * . قلت : ولا يخفى أنه لا دليل على تسمية شئ من المعاصي صغائر وهو محل النزاع . وقيل : لا خلاف في المعنى إنما الخلاف لفظي ، لاتفاق الكل على أن من المعاصي ما يقدح في العدالة ومنها ما لا يقدح فيها . قلت : وفيه أيضا تأمل . وقوله : فذكر الحديث ذكر فيه الاشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس . وقد تعرض الشارح رحمه الله إلى ما قاله العلماء في تحديد الكبيرة وأطال نقل أقاويلهم في ذلك ، وهي أقاويل مدخولة . والتحقيق أن الكبر والصغر أمر نسبي